مناع القطان

46

مباحث في علوم القرآن

وإحساس عميق فهو إذا شاعر ، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيرا على حواسه حتى يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصا يكلمه ، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجداناته فهو إذا الجنون أو أضغاث الأحلام ، على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلا على هذه التعليلات ، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة « الوحي النفسي » حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلة ، فقالوا : لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة ، فهو إذا قد علمه بشر ، فأي جديد ترى في هذا كله ؟ أليس كله حديثا معادا يضاهون به قول جهال قريش ؟ وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة منتسخة ، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه ، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى ( كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ 118 - البقرة ) . وإن تعجب فعجب قولهم مع هذا كله أنه كان صادقا أمينا ، وأنه كان معذورا في نسبة رؤاه إلى الوحي الإلهي ، لأن أحلامه القوية صورتها له وحيا إلهيا ، فما شهد إلا بما علم ، وهكذا حكى اللّه لنا عن أسلافهم حيث يقول ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ 33 - الأنعام ) فإن كان هذا عذره في تصوير رؤاه وسماعه فما عذره في دعواه أنه لم يكن يعلم تلك الأنباء لا هو ولا قومه من قبل هذا ، بينما هو قد سمعها بزعمهم من قبل ؟ فليقولوا إذا إنه افتراه ليتم لهم بذلك محاكاة كل الأقاويل ، ولكنهم لا يريدون أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم يدعون الإنصاف والتعقل ، ألا فقد قالوها من حيث لا يشعرون » « 1 » . 3 - وزعم الجاهليون قديما وحديثا أن محمدا قد تلقى العلوم القرآنية على يد معلم .

--> ( 1 ) راجع النبأ العظيم .